أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/225.jpg?v=1764231772&w=220&q=100&f=webp

حمود أبو طالب

أين مجلس التعاون الخليجي ؟

أُنشئت جامعة الدول العربية في 22 مارس 1945، من أجل التنسيق بين الدول الأعضاء في مختلف المجالات، والتدخل خلال الأزمات بوصفها كياناً مرجعياً للجميع، وفي حدود ما هو منصوص عليه في ميثاقها، ومنذ ذلك الوقت مرّت الجامعة بأطوار ومراحل تتّسم بالضعف المتدرج في الحضور والتأثير والفاعلية إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن من وجود رمزي لا أكثر، رغم المشاكل الخطيرة التي تمر بها بعض الدول المشاركة في عضويتها، والأزمات العميقة في بعض العلاقات نتيجة ظروف مستجدة أو احتقانات متراكمة.

غياب دور الجامعة، أو لنقل عدم فاعليته، جعل هذه الكتلة العربية الممتدة على مساحة جغرافية شاسعة وموقع جيوسياسي مهم، تتدبر أمورها إما بشكل منفرد أو من خلال تكتلات جزئية على غرار مجلس التعاون الخليجي الذي تأسّس في مايو 1981 وضم الدول الخليجية الست، وقام بدور فاعل للتنسيق بين دوله في مختلف المجالات الأمنية والسياسية والعسكرية والاقتصادية. وقد صمد المجلس خلال ظروف وتحوّلات وتقلبات عديدة، وأثبت استطاعته القيام بدور محوري خلال كثير من الأزمات، لكننا الآن نخشى أن يكون ذلك الدور المهم قد بدأ ينخفض بسبب ما نلاحظه من عدم تسجيل حضور مؤثر في بعض الأزمات التي تحدث على الساحة الخليجية، وما نخشاه أكثر أن يدخل المجلس في خانة الظل التي دخلتها الجامعة العربية.

لقد كان مجلس التعاون الخليجي منجزاً تأريخياً لحكام الخليج آنذاك، الذين استشعروا بحكمتهم وخبرتهم وبعد نظرهم ضرورة إنشاء كيان يجمعهم، وقد كان المجلس فاعلاً في كثير من المنعطفات الحساسة والظروف الدقيقة، لكننا للأسف بدأنا نرى بعض دوله لا تعير اهتماماً للهدف الجوهري من وجوده، وتخرج على ميثاقه بشكل صارخ، بل وتذهب بعيداً في محاولة الإضرار بأمن دوله واستقرارها، بينما لا يسجل المجلس موقفاً يرقى إلى مستوى خطورة الأوضاع الراهنة.

كنا نتوقع من المجلس أن يتبنى ضبط المشهد وفق ما تتيحه له صلاحياته، لكننا نشهد ما يشبه التواري للمجلس، ونخشى عليه من المضي في الطريق الذي أدّى بالجامعة العربية إلى ما هي عليه الآن.

منذ ساعة

إنعاش المؤسسات الصحفية

ما هو معلوم للجميع، أن المؤسسات الصحفية السعودية دخلت خلال السنوات الماضية مرحلة حرجة تهدد استمرارها، وأصبحت تصارع من أجل البقاء بكل ما تملكه من مقاومة تختلف من واحدة لأخرى، بحسب ما ادخرته من مراحلها الذهبية السابقة، وبحسب حسن تصرف ومهارة وإصرار المسؤولين فيها خلال هذه المرحلة العصيبة، لكنها جميعاً ليست في حالة مستقرة، بل إن بعضها بالكاد تنبض نبضاً ضعيفاً واهناً يُنبئ بقرب إعلان لحظة الوفاة.

بالتأكيد أن كل المؤسسات الصحفية في العالم واجهت مرحلة صعبة مع الثورة التقنية الهائلة المتسارعة التي عصفت بكل المعايير الراسخة في الصحافة التقليدية، لكن الذين قرأوا المشهد القادم مبكراً، واستعدوا له، استطاعوا مواجهة التحدي والاستمرار بنفس الحضور وربما أكثر، بينما الذين تساهلوا أو تأخروا في الاستعداد وجدوا مؤسساتهم الصحفية تنزلق نحو مأزق يتفاقم بسرعة، ويضعها أمام تحدٍّ ضخم يثقل كاهلها. هذه الحقيقة تنطبق على واقع مؤسساتنا الصحفية الوطنية التي تضافرت أسباب عديدة لوصولها إلى هذه المرحلة الحرجة، منها ما يعود إلى الأنظمة التي كانت تؤطر عملها، وغياب الفكر الاستشرافي المستقبلي للقائمين عليها سابقاً، وعدم التحوّط بنسبة معقولة من عوائدها الكبيرة السابقة لمواجهة المفاجآت، وعلى أي حال لسنا الآن بصدد الحسرة على ما حدث وأسبابه وحيثياته وملابساته، ولكن من أجل الحديث عن كيفية انتشال المؤسسات الصحفية من الواقع الذي تعيشه الآن.

أقول قولي هذا، بعد أن قرأنا قبل يومين خبراً جميلاً عن رعاية معالي وزير الإعلام توقيع عدد من اتفاقيات الشراكة ضمن المرحلة الأولى من برنامج تطوير المؤسسات الصحفية، وبهذه المناسبة قال الوزير:

(المؤسسات الصحفية السعودية هي ذاكرة الوطن وصوت منجزاته، والحفاظ على ريادتها ودعمها التزام مهني نؤمن به. ولذا أطلقنا عدداً من اتفاقيات الشراكة ضمن «برنامج تطوير المؤسسات الصحفية» لتمكينها، ولتبقى مزدهرة ومواكبة للمستقبل، ومستندة إلى ممارسات مهنية احترافية تعزز حضورنا الإعلامي).

هذا الاهتمام من وزارة الإعلام يمثل وعياً حقيقياً بأهمية بقاء وحيوية وانتعاش مؤسساتنا الصحفية، واستمرارها في أداء وظيفتها الوطنية ورسالتها الإعلامية التي لا يمكن لبدائل أخرى القيام بها. دول أخرى أقل منا في إمكاناتها ومكانتها وتأثيرها تدخلت للحفاظ على حضور مؤسساتها الصحفية الوطنية التي تمثل صوتها المُعتبر والمرجعية الموثوقة لكل باحث عن أخبارها ومواقفها، ومع أننا تمنينا أن يكون تدخل وزارة الإعلام أسبق من هذا الوقت إلا أنه لا بد من شكرها على تدخلها الآن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

لا تحضرنا الآن تفاصيل برنامج التطوير الذي أعلنته الوزارة، لكن حديث الوزير عنه يجعلنا نتفاءل، لا سيما وهو يؤكد أن المؤسسات الصحفية «سوف تبقى مزدهرةً ومواكبةً للمستقبل، ومستندةً إلى ممارسات مهنية احترافية تعزز حضورنا الإعلامي».

دعونا نتفاءل وننتظر.

منذ يوم

الوفد الذهبي في منتدى دافوس

يمثّل منتدى دافوس التجمع السنوي العالمي النخبوي الذي يناقش قضايا الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، وخلاله يطرح ممثلو الدول سياساتها وتوجهاتها، ويعرضون إنجازاتها في حضور كثيف للإعلام الدولي وممثلي المجتمع المدني والمراقبين والمحللين للشؤون الدولية بمختلف مجالاتها، وقد أصبح هذا المنتدى مرآة لمكانة الدول وحجم حضورها ومدى تأثيرها في المجتمع الدولي.

كنّا سابقاً نشارك في المنتدى بشكل محدود وبحضور مختصر، ربما لا يزيد على كونه رمزياً، لكن الصورة اختلفت تماماً بعد انطلاق الرؤية الوطنية 2030 وزخم الإنجازات الهائل الذي حققته برامجها، وتقدم المملكة بشكل كبير ومهم في التأثير السياسي والاقتصادي على مستوى العالم. ولهذا أصبحت الأنظار تتجه صوب الوفد السعودي المشارك في المنتدى الذي تحول من مشارك عادي إلى نجم يترقب العالم تصريحات أعضائه.

في الدورة الحالية للمنتدى شاركت المملكة بوفد ذهبي برئاسة سمو وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، وعضوية كل من سفيرتنا في واشنطن الأميرة ريما بنت بندر، وزير التجارة، وزير المالية، وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، وزير الصناعة والثروة المعدنية، وزير السياحة، وزير الاستثمار، ووزير الاقتصاد والتخطيط، بالإضافة إلى عدد من رؤساء الهيئات والشركات الكبرى. هؤلاء يمثلون أهم مفاصل العملاق الاقتصادي السعودي، بالإضافة إلى الصوت الدبلوماسي المتميز لسمو وزير الخارجية وسمو الأميرة ريما.

وعندما يشارك وفد سعودي بهذا المستوى فإن لديه ما يقوله للعالم، ليس أحلاماً وأمنيات، وإنما إنجازات مدعومة بالأرقام والإحصاءات والمؤشرات. قال وزير المالية في المنتدى إن ؜93% من مؤشرات الأداء الرئيسية للرؤية تحققت أو تسير في المسار الصحيح. وقال وزير الاستثمار إن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تضاعفت خمس مرات منذ انطلاق الرؤية. وأكد الجميع أن الاستثمار في الإنسان والاقتصاد طويل الأجل يشكّلان حجر الأساس للتحول الاقتصادي العميق الذي تشهده المملكة، وأن رأس المال البشري يمثل المحرك الرئيسي للتنمية الاقتصادية.

ولكن اسمعوا ما قاله الآخرون في المنتدى عن المملكة، فهذه المديرة العامة لصندوق النقد الدولي تقول: «أنا من أكبر المعجبين بالإصلاحات السعودية وتنوع الاقتصاد السعودي، المملكة تتميز بالمثابرة على تنفيذ الإصلاحات الناجحة التي سمحت بنمو وازدهار القطاع الخاص السعودي الذي أصبح مصدر النجاحات في ظل التقلبات التي يواجهها العالم، ولذلك قام صندوق النقد الدولي بافتتاح مكتب في الرياض لتسهل مشاركة التجربة السعودية مع بقية العالم».

ما خلاصة كل ذلك؟ باختصار: الدول التي تريد لأوطانها التطوّر والازدهار تستطيع ذلك عندما تتوفر لديها الإمكانات والرؤية والإدارة الماهرة الرشيدة.

00:00 | 21-01-2026

«الإنسانية» بين الحقيقة والادعاء

من أسوأ أنواع العطاء ذلك النوع الذي يشوبه المنّ واستدعاء المديح والبحث عن المفاخرة كغاية رئيسية، وأسوأ من ذلك عندما تتخفّى خلف العطاء أهداف غير نبيلة وأجندات مسيّسة تأخذه من معناه الإنساني وتضعه ضمن تصنيف الأعمال الملوثة التي يكشفها الوقت عاجلاً أو آجلاً، وتصبح نقيصةً ومذمةً لمن مارسها. وبمراجعة للتأريخ، قديمه وحديثه، سوف نجد أمثلة عديدة لمساعدات قدّمتها دول لشعوب تمر بظروف صعبة لأسباب مختلفة، لكن اتضح لاحقاً أنها لم تكن لوجه الإنسانية المحضة، وإنما لغايات أخرى.

وفي مقابل تلك الأعمال المشبوهة التي تتلبس الإنسانية تقدّم المملكة نموذجاً مغايراً فريداً لمفهومها في تقديم المساعدات لكل شعوب الأرض دون أي تمييز أو تصنيف، الاعتبار الوحيد هو الحاجة الفعلية للمساعدة والإغاثة، وقد وضعت هذا التوجه الإنساني النبيل في أعلى مراتب اهتمامها بغض النظر عن أي ظروف مرّت بها، فهو مبدأ ثابت في اليسر وفي العسر، في الرخاء وفي الشدة، في السعة وفي الضيق، ومن يراجع تأريخ المملكة منذ وجودها دولةً سيجد ما يكفيه من الأدلة والبراهين على ذلك، وسوف يتأكد أنها تفعل ذلك بمروءة وشيمة تجعلها غير مهووسة بتسليط الضوء الإعلامي على ما تقدّمه، حفاظاً على مشاعر الذين تصلهم أعمالها الإنسانية النزيهة، ولأنها تعتبر ما تقوم به واجباً إنسانياً وليس مجالاً للمزايدات والتفاخر والمباهاة، ولكن لأن الحقائق تفرض نفسها فإن العالم لا بد أن ينصف من يقدّم الخير للآخرين.

خبر قليل في مفرداته لكنه كبير جداً في معناه ودلالاته، يقول الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام قبل يومين أن منصة التتبع المالي للأمم المتحدة صنّفت المملكة الأولى عربياً والثانية عالمياً في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية بين الدول المانحة لعام 2025. وهذا التصنيف كان نتيجة الأرقام التي وُثقت أولاً بأول في المنصات الدولية عبر منصة المساعدات السعودية التي تعتبر أضخم منصة مساعدات في المنطقة. وأنا سوف أكتفي بخلاصة الخبر، ومن أراد معرفة المزيد عما قدمته وتقدمه المملكة في هذا الجانب أقترح عليه المرور على موقع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية كي يتأكد أنه لو قدمت دولة أخرى جزءاً يسيراً مما قدّمته المملكة لملأت الدنيا ضجيجاً إعلامياً على مدار الساعة.

الخلاصة، أن ما تقدّمه المملكة من أعمال إنسانية لكل شعوب العالم لا دخل له أبداً بأي اعتبارات أخرى، ومنزّهٌ من أي أجندات سياسية مشبوهة، كما فعلت بعض الدول التي لم تتورع حتى عن إغلاق المشافي التي قدمتها عندما انكشفت حقيقة نواياها وأهدافها البغيضة. وهنا الفرق بين الدول الإنسانية في حقيقتها، وغيرها التي تدعي وتتمظهر بالإنسانية وهي بعيدة عنها.

23:45 | 19-01-2026

دروس السياسة السعودية

المتابعون للتحركات الدبلوماسية السعودية في الفترة الأخيرة، يتضح لهم جلياً المسار الذي تمضي فيه لمعالجة الأزمات القائمة في منطقتنا، خصوصاً بعد المستجدات التي طرأت وشكلت تهديداً إضافياً للأمن الإقليمي استوجب التعامل معها بجدية تامة، ومواقف واضحة وإجراءات تضمن صد الاختراقات والمغامرات التي تقفز على متطلبات الأمن القومي العربي وتعرضه لمخاطر كبيرة.

هذا ليس جديداً على سياسة المملكة في ما يتعلق بأمنها واستقرارها، وأمن واستقرار المنطقة العربية. بل إن أهم ثوابت سياستها هو هذا المنطلق، أي توظيف كل إمكاناتها وعلاقاتها ومكانتها وتأثيرها في المجتمع الدولي لتحقيق هذا الهدف الجوهري. تعاملها مع الأزمة المستجدة في اليمن بعد انكشاف حقيقة ممارسات ونوايا المجلس الانتقالي هو درس تأريخي في سياسة التعامل مع الأزمات المعقدة، وحضورها القوي في التهديد الخطير الذي واجهته الصومال بمحاولة شرعنة انفصال جزء منه، ودخول إسرائيل في هذا الملف، يثبت أن المملكة واعية تماماً ومدركة لما يمكن أن يترتب على ذلك من تهديد وجودي لأمن منطقة بالغة الأهمية جيوسياسياً، فتحركت بأسلوب فعّال يقطع الطريق على المستفيدين من بؤر الفوضى والحركات الانفصالية المرتبطة بدعم أطراف تؤجج هذه الأوضاع المزعزعة للأمن والاستقرار.

الأوضاع في المنطقة العربية لم تبلغ من قبل مستوى الحساسية التي تمر بها الآن. إنها مرحلة دقيقة ومفصلية في تأريخها، والمملكة تقود تحركاً نابعاً من حرصها على الاستقرار والأمن والسلام والتنمية في كل الدول العربية من خلال سياسة واضحة وفعالة، لا تخفي وراءها أي أجندات أو مطامع. إنها تدعم وتبني وتعين كل الدول التي تعاني، برامج الدعم والإعمار تسير بالتوازي مع الجهود السياسية البناءة. المملكة تقدم للعالم نموذجاً أخلاقياً ومسؤولاً لسياسة الدولة التي تريد الخير والأمن والسلم والتنمية للجميع.

23:48 | 18-01-2026

مغبّة الاستهتار بأمن الكبار

الكل يتابع ما يحدث في الرياض، ويترقب ما سيحدث، بخصوص الشأن اليمني الذي تدير المملكة ملفه بصفتها قائدة تحالف دعم الشرعية منذ الانقلاب عليها. نحن إزاء مرحلة جديدة وحاسمة تمثل المفهوم السعودي لأمنها عندما يتم العبث بأمن جارها بتدخلات من خارجه، وبتصعيد متزايد يمثّل رسالة لا يمكن تأجيل الرد عليها، وقد فعلت المملكة ما يجب أن تفعله، وتحركت في نفس الوقت للتعامل مع مصادر الخطر الأخرى في الجغرافيا المحيطة بسرعة حاسمة وجدية تامة، وبهذا فإن المملكة تكون قد أعلنت للعالم إستراتيجيتها للتعامل مع كل مستويات الخطر، المباشر وغير المباشر، المؤكد والمحتمل، وأنها حين تفعل ذلك فلأنها تملك القدرة والقوة، والثقل والتأثير، في العمق العربي والإسلامي والمجتمع الدولي.

المملكة ليست دولة أطماع أو مغامرات أو مؤامرات، فعندما بادرت للوقوف مع اليمن ضد مشروع إسقاطه كدولة وارتهانه لمليشيات من الخارج، كانت تعرف أهمية ما تفعله لليمن ولأمنها أيضاً. حاولت إدارة المراحل وفق معطياتها وظروفها. تعاملت مع الأخطاء المقصودة وغير المقصودة بحكمة وبصيرة، وغضّت الطرف عن الكثير من التجاوزات التي حدثت، لكن عندما وصل التآمر على أمن اليمن وأمنها إلى ذلك الحد الخطير الذي حدث مؤخراً، دون استجابة لدعوات التراجع وعدم التصعيد، كان لا بد للمملكة أن تضع حداً حاسماً لكل ذلك التهديد، وتعرّي الجهة التي تدعمه، وتلقنها ومن يقف خلفها درساً في مغبة الاستهتار بأمن الدول القوية.

الآن، بالإمكان القول إن جزءاً مهماً من المشكلة اليمنية قد تم حله من خلال توحيد سلطة القرار السياسي والعسكري والأمني، وخروج العناصر المعطّلة من المشهد، وبدء مسار حقيقي وعملي لقضية الجنوب بعد تحييد المستغلين لها من الداخل والخارج.

00:07 | 12-01-2026

تحرير القضية الجنوبية من الاختطاف

بعد أن تاجر عيدروس الزبيدي بالقضية الجنوبية العادلة وزايد عليها ووظفها لمطامح شخصية وأطماع خارجية، ثم استخدم شعارها زيفاً لبدء تصعيد خطير في محافظتي حضرموت والمهرة، وبعد أن غدر برفاقه في المجلس بعد تأكيده لهم أنه سيرافقهم إلى الرياض في رحلة البحث عن الحلول ثم فرّ في جنح الظلام، استنهضت قيادات المجلس الانتقالي وطنيتها واستشعرت مسؤوليتها التأريخية واتخذت قراراً شجاعاً بحل المجلس بكافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، وإلغاء جميع مكاتبه داخل اليمن وخارجه، ليكون هذا القرار تحولاً مهماً للقضية الجنوبية يعيدها إلى مسارها الطبيعي بعد أن أضرّ بها الزبيدي ضرراً فادحاً، بإضعاف المكتسبات التي تحققت لها سابقاً عبر مخرجات الحوار الوطني الشامل (2014)، واتفاق الرياض (2019)، وقرار نقل السلطة (2022). ليس هذا فحسب، بل إنه بمغامرته المتهورة الأخيرة كاد أن يدفع باليمن كله إلى خطر أكبر وأشد، يهدد أمنه وأمن جواره والمنطقة كلها.

المؤكد أن القضية الجنوبية ستتخذ مساراً إيجابياً بعد إعلان الرياض تشكيل لجنة تحضيرية بالتشاور مع الشخصيات الجنوبية للإعداد لمؤتمر الحوار الجنوبي، الذي ستشارك فيه شخصيات جنوبية من كافة محافظات الجنوب «دون إقصاء أو تمييز»، وتأكيد المملكة دعمها لمخرجات المؤتمر لتُطرح على طاولة حوار الحل السياسي الشامل في اليمن. والمؤكد أيضاً أن التوافق والالتزام والتفاهم والانسجام سوف تسود الحوار القادم؛ لأن المتحاورين كانوا يبحثون فعلاً عن حل، وهم الذين طلبوا ذلك من الرئيس رشاد العليمي، ووافقت المملكة بترحاب على استضافة الحوار ودعمه بكل الوسائل والإمكانات كي يحقق غايته وأهدافه.

لقد اتخذ أعضاء المجلس الانتقالي قراراً مفصلياً بحله، عندما تأكد لهم أنه كان يختطف القضية الجنوبية بأحادية القرار، وانحراف المسار، وفساد الأهداف لرئيسه السابق الهارب، وهم بقرارهم هذا يؤكدون ثقتهم المطلقة بالمملكة، التي تؤكد في كل خطاباتها على عدالة القضية الجنوبية ومشروعيتها وضرورة الوصول إلى حل مستدام لها بالحوار بين كل الشخصيات والقيادات التي تمثل الجنوب.

إن قضية الجنوب، مهما طالت وتأزمت، يمكن إيجاد حلول لها عندما يخرج منها المتاجرون بها كعيدروس الزبيدي ورهطه، ويتصدى لها الوطنيون المخلصون كالذين سيجتمعون في مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل، وترعاها دولة صادقةٌ في نواياها الخيّرة تجاه اليمن كالمملكة.

00:01 | 11-01-2026

«للذكرى أثر»

خطَت وزارة الحج والعمرة خطوات متسارعة وبفكر متقدم في خدماتها التي تقدمها لملايين المسلمين في العالم الذين يقصدون المملكة للحج والعمرة والزيارة، بحيث أصبحت الرحلة في غاية اليسر ومنتهى السهولة من كل الجوانب، من قبل مغادرة ضيف الرحمن لبلاده إلى عودته إليها، ولعلنا نستشهد بالخدمات الإلكترونية نادرة المثيل التي تقدمها الوزارة؛ ومن أهمها تطبيق (نُسُك) الذي أحدث تحولاً جذرياً في سهولة الإجراءات وتقديم الخدمات.

لكن الوزارة لم تعد تقتصر خدماتها على الدور التقليدي الذي كان سائداً، بل أصبحت تبتكر مبادرات نوعية يتجلى فيها الحرص على إثراء تجربة الحاج والمعتمر والزائر بأبعاد إنسانية وتجارب ثقافية باستكشاف المخزون التأريخي الهائل والفريد الذي تكتنزه المدينتان المقدستان، ومن أحدث هذه المبادرات الحملة التي أطلقتها الوزارة بمسمى «للذكرى أثر» والتي تهدف إلى تعريف ضيوف الرحمن من المعتمرين والزوار المحليين والدوليين للمدينة المنورة بالتجارب الثقافية والإنسانية وإثراء تجربتهم من منطلق أن الرحلة الروحية يمكن أن تكون أكثر عمقاً وثراءً بالاطلاع على الوجهات التأريخية والثقافية والتجارب الإنسانية المتراكمة المرتبطة بهوية المكان.

وعندما نتحدث عن المدينة المنورة فإنه بالإضافة إلى روحانيتها وعبقها الوجداني وسكينتها وصفائها فإننا نتحدث عن تأريخ متميز يختص بالمكان والإنسان، فهناك شواهد ومعالم للتأريخ الإسلامي، ومحطات للسيرة النبوية، وأحداث بارزة ما تزال مواقعها شاهدة عليها، يكاد زائرها يستحضر عصرها ويعيش فيه حينما يتجول فيها.

لقد حرصت وزارة الحج والعمرة من خلال فكر الرؤية الوطنية ومستهدفاتها إلى توسيع تجربة الحاج والمعتمر والزائر لتتجاوز مجرد أداء الشعائر ثم العودة إلى بلاده، بتحويلها إلى تجربة ثرية بالثقافة والتأريخ والاستكشاف، وفي المدينة المنورة الكثير والكثير من ذلك بالإضافة إلى الجانب الإيماني والروحي. لقد كان زوار المدينة المنورة في السابق يمضون وقتاً قصيراً، ومن كان منهم يملك اهتماماً خاصاً بالتأريخ، لربما حاول استكشاف بعضه بجهده الفردي، لكن عندما تقوم وزارة الحج والعمرة بتبني مبادرة مثل «للذكرى أثر» فإن التجربة تُصبح مؤسسية، كمشروع متكامل العناصر وعميق المعنى، وعندها فعلاً يكون للذكرى أثر.

00:00 | 7-01-2026

المملكة.. حائط الصدّ المنيع

يعتقد البعض أن استحضار دور إسرائيل في ما يجري من محاولات خلخلة الأمن وإشاعة الفوضى من خلال نزعات الانفصال والتقسيم في بعض الدول العربية، هو شكل من المبالغة في تصور نظرية المؤامرة، ومحاولة لتضخيم نوايا وأطماع الدولة اليهودية المتطرفة، والقفز على حقيقة المشاكل الداخلية المزمنة في الدول التي تشهد هذه الأحداث التي كانت ستنفجر في أي وقت كنتيجة طبيعية متوقعة لتلك المشاكل.

هذا الاعتقاد يجانب الحقيقة، ويختزل الصورة في جانب واحد. نعم هناك مشاكل مزمنة ومعقدة تراكمت في تلك الدول، لكن تفجيرها بشكل عنيف، في وقت متزامن، وفق سيناريو متشابه، وفي محيط جغرافي متقارب يشكّل أهمية جيوسياسية كبيرة، يحتّم التفكير بشكل أعمق وأوسع في الوضع السياسي للمنطقة، والبحث عن المستفيد مما يحدث. وعندما نشير إلى إسرائيل فإن ذلك لم يعد اجتهاداً تحليلياً فحسب، بل لأن الأدلة بدأت تتضح وتخرج إلى العلن، ممثلةً في تصريحات المسؤولين عن الكيانات الداعية إلى التقسيم والانفصال بتوجههم لإقامة علاقات مع إسرائيل حال نجاح مشاريعهم، وترحيب إسرائيل وابتهاجها بذلك، ما يجعل الربط بين إسرائيل وهذه الأطراف منطقياً جدّاً. السذاجة السياسية لتلك الكيانات جعلتها تفضح نفسها مبكراً، وترمي بأوراقها في خانة الرهان على إسرائيل لدعمها، بوهم العبور من خلالها لاكتساب الاعتراف بها من قبل الدول الكبرى المؤثرة التي تحظى إسرائيل بمكانة خاصة لديها.

إسرائيل لم تعد تواجهها عقبات رئيسية أمام استطاعتها التواجد في مناطق حيوية جديدة سوى حائط الصد المنيع الذي تمثله المملكة، التي تقف مع الحق الفلسطيني بصلابة وثبات عبر تأريخ القضية الفلسطينية، والتي حشدت العالم خلال العام الماضي بشكل غير مسبوق للاعتراف بالدولة الفلسطينية وتطبيق حل الدولتين كأساس للسلام غير قابل للتنازل عنه. المملكة رفضت التطبيع المجاني كبعض الدول، وعدم انخراطها في هذا المشروع يعني أن إسرائيل لم تستفد كثيراً، بل لم تحقّق شيئاً، وبالتالي لا بد من محاولة إشغالها أو ابتزازها بسيناريو التأثير على أمنها من خلال كيانات مستعدة للتخادم معها وتنفيذ أهدافها. ولكن لم يكن لإسرائيل أن تستقطب تلك الكيانات لولا وجود الوسيط أو الوكيل الذي تورّط في هذه المغامرة الخطيرة على أمن الجميع.

عندما أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي عن بدء تنفيذ مشروعه الانفصالي كان من ضمن أولوياته المعلنة إقامة علاقات مع إسرائيل، هذه ليست صدفة ولا يمكن أن تكون كذلك. هناك ترتيب وتجهيز مسبق لهذا الهدف، لكن كل الحسابات سقطت، وكل الأوهام تلاشت أمام حزم وقوة وسرعة القرار السعودي الذي يعرف جيداً كيف ومتى يكون.

مخطط إسرائيل للاستفادة من المناطق المضطربة لم يعد احتمالاً بل حقيقة، وادعاء الاستحقاقات الوطنية لدى الكيانات المتمردة التي تخدم إسرائيل أصبح كذبة مكشوفة. إنه زمن قبيح عندما يتواطأ عربي على أمن أشقائه خدمةً للعدو الأساسي لكل العرب.

00:08 | 6-01-2026

القضية الجنوبية ومؤتمر الرياض

كان متوقعاً أن يصطدم المجلس الانتقالي الجنوبي سريعاً بجدار الحقيقة، وهي أنه لا يستطيع أن يمضي بعيداً في مشروعه العبثي الذي صورت له سذاجته السياسية أنه ممكن، وأوهمه الداعمون له أنه قابل للتطبيق، رغم معرفة المجلس وداعميه بأن هذه الحماقة ضارة بالقضية الجنوبية أولاً، ومعها الشعب اليمني بأكمله، وكذلك الدولة المجاورة الكبرى التي ترعى القضية اليمنية في إطارها الشامل، وتدعم استقرار وأمن اليمن.

أول المتضررين من مغامرة عيدروس الزبيدي وزمرته، هي المناطق التي نصّب نفسه وليّ أمرها، ولذلك بادرت المكونات السياسية والاجتماعية الفاعلة في مناطق الجنوب بطلب إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لعقد مؤتمر شامل في مدينة الرياض، يجمع كافة المكونات الجنوبية للجلوس إلى طاولة الحوار لبحث الحلول العادلة للقضية الجنوبية، وبدورها استجابت المملكة لهذا الطلب. وعندما استشعر المجلس الانتقالي أنه سيكون معزولاً، وأن القوى اليمنية الفاعلة قادرة على تحييد خطره على اليمن، بادر إلى الترحيب بعقد مؤتمر الرياض، قائلاً إن «مؤتمر الرياض فرصة حقيقية لحوار جاد يحقق تطلعات الجنوب».

ومن قال أيها المجلس، إن تطلعات الجنوب كانت ستُحل بالطريقة التي استخدمتموها، بل من قال أساساً، إن مؤتمرات الرياض السابقة ودعوات وتصريحات قيادة الشرعية اليمنية والمملكة قد تجاهلت القضية الجنوبية. الجميع يؤكدون أنها قضية عادلة، يكون حلها وفق الإطار السياسي، وأنتم تعرفون ذلك، لكن اتضح أنكم لا تهمكم مصلحة القضية الجنوبية ولا مصلحة اليمن.

إنشاء المجلس الانتقالي كان استغلالاً لهشاشة الوضع اليمني الشديدة وضبابيته آنذاك، ثم اتضحت لاحقاً أهدافه المشبوهة، التي أكدها مؤخراً بشكل لا شك فيه، بأنه مجرد تنظيم يخدم أجندةً خارجية خطيرة لزعزعة الأمن وتكريس الفوضى في اليمن ومحيطه، لصالح أعداء الأمن القومي العربي ووكلائهم.

إن كان للمجلس الانتقالي أن يبقى بعد مؤتمر الرياض، فمن الضروري تنقيته من الشوائب الضارة، وتحصينه بالمضادات الحيوية الوطنية المخلصة، وأن يكون دوره داخل منظومة السلطة اليمنية الشرعية، وضمان عدم عودة ارتهانه لأطراف خارجية، وإلا فإن البتر أحياناً دواء يمنع تفشّي الداء.

على الإخوة الذين يمثلون المكونات الجنوبية الوطنية المخلصة، أن ينتهزوا مؤتمر الرياض كفرصة تأريخية لترتيب أوراقهم وتوحيد كلمتهم، وقطع الطريق على الانتهازيين الذين يتسلقون على قضيتهم العادلة.

00:00 | 5-01-2026